نابليون بونابارت

نابليون بونابارت

مقدمة

مثلما يتعلق الكاتب بقلمه والموسيقي بقيثارته، كان نابليون متعلقا بالأداة الحربية، ومغرما بشن الحروب والغزوات، حيث كان هذا المجال هو شاغله الأكبر، ومحل اهتمامه واستمتاعه، بل إنه وهب له كل حياته  وكأنه خلق ليكون محاربا، بينما كانت الحياة المدنية المسالمة كما قال المقربون منه، تمثل عدوه الشخصي فقد كان خشن الطبع وغير مبال للأحاديث الاجتماعية، غير مقبل على التودد للآخرين وملاطفتهم، ولا تستهويه الموسيقى والفنون، وكان أغلب ما يقرأه من كتب وأشعار مرتبطا بسير المحاربين العظماء، كما كان شغوفا بصفة خاصة بفتوحات وحروب الاسكندر الأكبر، وبطولات يوليوس قيصر.

أراد لفرنسا أن تكون امبراطورية عظمى، وتكون باريس بمثابة روما القديمة عاصمة إمبراطورية الرومان القوية.

المبحث الأول : حياته وأسرته

المطلب اللأول : حياته[1]

ولد نابليون بونابارت في أجاكسيو، إحدى مدن جزيرة كورسيكا، في الخامس عشر من شهر أغسطس سنة ١٧٦٩ ،وكان أبوه شارل بونابارت من رجال المحاماة الطليانيين، خدم في الجندية أيام كان أهل هذه الجزيرة يدفعون عنها غارة الفرنسيين على أن هؤلاء قد تغلَّبوا عليهم في سنة ١٧٦٨ .وكانت أمه تُدعى لييزيا رامولينا، وكان نابليون ثاني إخوته.

لم يكد نابليون يبلغ العاشرة من عمره حتى دخل مدرسة برين الحربية، وقضى بها خمس سنوات ونصف  كان في غضونها يقدم اسمه في تقرير المدرسة إلى الملك، ومما ذُكر في هذا التقرير عن نابليون أنه كان ممتازا في دروسه الرياضية واسع الاطلاع على التاريخ والجغرافية، أما اللغة اللاتينية فكان فيها متأخرا عن أقرانه تأخرا كبريًا كما كان في أدب اللغة وغيرها، أما هو فكان محبٍّا للدرس، حسن السرية والمسلك، تام الصحة.

في سنة ١٧٨٤ غادر نابليون مدرسة برين ودخل مدرسة باريس الحربية، قضى بها ما يقرب من سنة  ثم نال رتبة ملازم ثان في المدفعية الفرنسية، مال نابليون إلى الجانب السائد في الثورة الفرنسية، وهو الذي أطلق مدافعه في شوارع باريس على العساكر الوطنية فمزقهم كل ممزق، وبذلك انتهى عهد الثورة الفرنسية وجاء عهد آخر في التاريخ الفرنسي، كان هو روح ذلك العهد لأنه لم يمض قليل على فعلته هذا حتى عين نابليون، بفضل المسيو براس أحد الديركتوارت (أو المديرين) الخمس الذين حكموا فرنسا في ذلك العهد بالتضامن، قائدا عاما لجيش فرنسا الداخلي وهو لم يبلغ من العمر إلا خمسة وعشرين ربيعا. تزوج بعد ذلك بجوزفني بوهارنز أرملة أحد أشراف فرنسا الذين ذهبوا ضحية مقصلة الثورة الفرنسية  وكانت أكبر منه سنٍّا، ولكن نشأ بينهما حب ذهب بتلك الفروق، وتزوجها في سنة ١٧٩٦ ،وقبل زواجه بقليل عينه ناظر الحربية قائدا عاما لجيش إيطاليا فذهب في تلك الحملة.

المطلب الثاني : أسرة نابليون[2]

  1. الأب

هو شارل دي يونابرت، إيطالي الأصل انتمى لأسرة من فلورنسيا، وكان رجلا رشيق الجسم رقيق الملامح عرف عنه حبه للشعر والبلاغة، وقد شغل بالإضافة لأربعة آخرين من أسرة نابليون منصبا مهما في مجلس إدارة الجزيرة، وعرف عنه كذلك ميله للإسراف والتبذير، ولذلك كان يسعى من خلال أعمال تجارية، وأنشطة مختلفة لكسب المال، وتوفير المعيشة الكريمة لأفراد أسرته.

  • الأم

هي ماري ليتشيا رامولينو، وقد اختلفت في كثير من الطباع التي اكتسبها زوجها، فقد كانت امرأة صارمة حادة الطباع شديدة الثقة بنفسها تفرض هيبتها على الجميع، كما تميزت بجسم رشيق ووجه جميل، وعقل سديد.

لذلك فإنها كانت موضع إعجاب وتقدير الآخرين، وعلى عكس زوجها فإنها عاشت مدبرة مقتصدة إلى حد البخل، ويبدو أن نابليون قد ورث كثيرا من صفات أمه أكر مما ورث عن أبيه.

المبحث الثاني : أهم الإحداث التي ساهمت في سطوع نجمه وعلاقته بأعدائه

المطلب الأول : أهم الإحداث التي ساهمت في سطوع نجمه[3]

استطاع استغلال الظروف والأحداث التي ١٧٩٩  -١٧٦٩) مرت ببلاده بعد الثورة الفرنسية، إذ أنه لم يتأثر بمبادئ الثورة منذ البداية، لذا نجده يخدم السلطة الملكية وساهم في القضاء على المظاهرات المعارضة للنظام منها مساهمته في ٢٠ تموز ١٧٩٢ بالدفاع عن القصر التويلري ومواجهة المتظاهرين  الذين أغضبهم تأمر الملك على الثورة. فأوقفت حكومة الثورة نابليون عن العمل ثم أعيد إليه بعد تبرأنه من تهمة الخيانة.

وجاءت الفرصة لنابليون في نهاية عام ١٧٩٣ عندما نجح في عملية فك الحصار عن ميناء طولون ورفع إلى رتبة لواء. ثم ساهم في القضاء على الحركات المعارضة للثورة في الأقاليم الفرنسية. وأثناء عمله في القوات الفرنسية المرابطة في نيس تعرف على روبسبير الصغير اخ قائد الثورة، وكاد نابليون يتعرض للإعدام، فأعتقل بعد إعدام روبسبير ١٧٩٤ ، لكن لجنة الأمن العام لم تجد له أي علاقة بالأخير. لكن متن علاقته باللجنة في عام ١٧٩٥ بعد نجاحه في القضاء على المظاهرة الشعبية التي حاصرت بناية المؤتمر الوطني بباريس.

وتزوج نابليون، أثناء وجوده في العاصمة، بجوزفين بوهارنيه، أرملة أحد الضباط الجيرونديين الذي أعدمه اليعاقبة، وهي من ساعدت نابليون في إقامة علاقة قوية بشخصيات نافدة في حكومة الإدارة الأمر الذي شجع الأخيرة في عام ١٧٩٦ على تعيينه قائداً لأحد جيوش فرنسا الثلاثة الموجه لمحاربة النمسا، حيث استطاع نابليون تحقيق انتصارات باهرة وعديدة على القوات النمساوية في شمال ايطاليا وبيدمونت التي عقدت معه في ٢٣ نيسان عام ١٧٩٦ صلح، حصلت فرنسا بموجبه على امتلاك دائم لنيس وسافوا. واحتل نابليون

أراضي ميلان وبافيا والبندقية، وعقد مع نابولي والبابا معاهدة صلح، بحجة ان قواته جاءت لتحرير الأراضي الايطالية من السيطرة النمساوية التي انسحبت أمام قواته إلى البترول وأصبحت بيد القوات الفرنسية أراضي ايطالية واسعة مما ساعده على تنفيذه مشروعه هناك فأسس في لومبارديا (شمال ايطاليا) جمهورية ما وراء الألب وحول جمهورية جنوه إلى جمهورية الليجورية وأسس جمهورية جنوب نهر البو (سيزبادان) تجمع بين مورنيا ريكييو، كما وأسس جمهورية تراتسبادان تتكون من بولونيا وفرارا. [4]

وكانت نتيجة الانتصارات التي حققها نابليون في الأراضي الايطالية، طلب النمسا منه عقد معاهدة كامبو فورميو في ١٨ تشرين الأول عام ١٧٩٧ تخلت بموجبها عن أراضيها في الضفة اليسرى لنهر الراين  وحين عاد إلى باريس استقبله الشعب بحرارة الأمر الذي أثار مخاوف حكومة الإدارة، التي يكرهها الشعب من تزايد شعبيته، مما دفع الأخيرة إلى تكليفه لقيادة الحملة الفرنسية على مصر لضرب المصالح البريطانية فيها وكان نابليون يعلم بفساد الحكومة، لكنه لم يكن يرغب بالاعتراض على مرؤوسيه.

وكانت حملة مصر غير مضمونة النتائج، بسبب وجود الأسطول البريطاني في البحر المتوسط وعدم معرفة الفرنسيين شيء عن تلك البلاد، لكنها اظهر صفات نابليون الحقيقية، فهو من جهة طموح بشكل كبير، وواثق بنفسه بلا حدود، وبسالة وعزم لا يلين ومهارات عسكرية، رغم انه لا يصل إلى مهارات القادة الأفداد أمثال جنكيز خان أو الأسكندر المقدوني، ومن جهة ثانية أظهرت الحملة وحشية نابليون الشرسة واحتقاره للأحاسيس الإنسانية، وأنانية ، وحقارة تتمثل في هروبه وتخليه عن جيشه، دون تلقي أمرا بذلك، والعودة إلى باريس لاستغلال الظروف التي تمر بها البلاد لمصلحته. ومن هذا الجمع العجيب من العناصر و في تشرين الثاني عام ١٧٩٩ نجح انقلاب ١٨ برومير، وتسلم القيادة العامة للقوات الفرنسية إضافة إلى إدارة بلد، يبلغ سكانه ٣٠ مليون في ذلك الحين في حالة من الفوضى الشاملة.

المطلب الثاني : علاقته مع أعدائه[5]

لم يكن نابليون يحمل الحقد ولا يحب الانتقام، وهذه بعد النماذج لعلاقته وسلوكه مع أعدائه المجاهرين والمتنكرين :

  • مارتقى نابوليون إلى عرض الامبراطورية حتى وقف كارنو أحد رجال الديركتوار في صفوف الحزب المعارض فلو كان نابوليون امبراطورا غشوما كما زعم بعض خصومه لانتقم منه، ولكن نابليون كان امبراطورا ذا طابع خاص فصبر عليه، ثم قيل أن يوما كارنو وقع في ضائقة مالية وأبلغ أمره إلى نابوليون، فاهتم به ومراعاة لكرامته أمر بتعيين مرتب قدره 10 الاف فرنك بحجة أنه كان وزيرا قديما.
  • عندما كان نابليون قائدا لأكبر جيش في ايطاليا في عهد حكومة الديركتوار أرسلت هذه الحكومة الجنرال كلارك إلى ساحة القتال ليراقب سلوك نابليون سرا ويتجسس عليه كما ذكر ارنول في مذكراته، فعلم نابيلون بأمره ساعة وصوله ولكنه تعالى عن الإضرار به، ولما غضب ولاة الأمور في باريس على هذا الجنرال، هب نابيلون للدفاع عنه  وبعد مدة أعاد هذا الجنرال إلى وظيفته السابقة ثم عينه سفيرا ثم حاكما لفيينا ثم برلين ثم وزيرا للحربية.
  • عندما كان نابليون في مصر اتضح له أن القائد الشهير دافو كان مواليا لخصومه فأبى نابليون أن يلحق به ضررا ثم اغدق عليه الألقاب والمواهب.
  • روى كثير من المعاصرين لنابيلون في مذكراتهم كفوشيه وتيبودو أن برنادوت اشترك في جميع المؤامرات والمكائد على نابيلون، ومع ذلك كله فإن نابليون جعله مارشالا أكبر ولقبه بأمير بونت كورفو وحباه بمواهب جمة وانتهى الأمر بأن جلس برنادوت على عرش اسوج، لم ينظر نابليون إلى مصلحته الخاصة ولم يشأ أن يبعد عنه قائدا بارعا كما قيل.

خاتمة

وضعت عن نابليون بونابرت آلاف الكتب، وكل كتاب أعطى عنه صورة مختلفة، وبالتالي ظل نابليون نوعاً من اللغز، ومعظم من كتبوا في سيرته نجحوا في بيان سياسته الداخلية والخارجية أثناء توليه السلطة  وإصلاحاته وأعماله التي أقامها في البلدان التي احتلها بعد إعلانه النظام الإمبراطوري لكنهم اغفلوا عن نشأة نابليون وبداية تدرجه في الجيش الفرنسي ولم يسلطوا الضوء على الظروف التي عاصرها نابليون وساهمت في سطوع نجمه ليظهر بمظهر المنقذ لفرنسا من الفساد والاختلاس والفوضى وخطر تعرضها لاحتلال أجنبي، وباني عزة فرنسا القومية الحديثة من خلال إقامته إمبراطورية مترامية الأطراف.

كانت مواهب نابليون عديدة واهتماماته كثيرة وعيوبه ضخمه متعددة، حاله حال أي إنسان آخر لكنه استطاع أن يطور مقدراته ومواهبه ويستغل الظروف التي مرت بها فرنسا بعد ثورة عام ١٧٨٩ . وساعدته زوجته جوزمين بوهارنيه للتعرف على شخصيات نافذة في حكومة الإدارة جعلته يتولى قيادة احد الجيوش الفرنسية وعمل خلال مهمته هذه بجد ومثابرة مما جعله يحقق الانتصارات باهرة.

 على النمسا حيث احتل ممتلكاتها في ايطاليا وعقد معها معاهدة كاميو فورميو في ١٨ تشرين الأول عام ١٧٩٧ . مما أصاب حكومة الإدارة بالخوف من تزايد شعبيته، الأمر الذي جعلها تكلفه لقيادة الحملة الفرنسية على مصر لكن نابليون استغل سوء الأوضاع في فرنسا فرجع إلى باريس ونظم انقلاب ١٨ برومير عام ١٧٩٩ ليتولى السلطة في فرنسا.

مراجع

  1. ابراهيم رمزي، كلمات نابليون، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، الطبعة الأولى لسنة 2014  مصر.
  2. الدكتور أيمن أبو الروس، شخصيات لا ينساها التاريخ، نابليون بونابرت، مطابع العبور الحديثة  القاهرة.
  3. الدكتور حسن زغير حزيم، ارتقاء نابليون للسلطة في فرنسا ( 1769 – 1799 )، مجلة كلية الآداب، العدد 98.
  4. يوسف البستاني، نابلوين الأول، أو النسر الأعظم، مطبعة الهلال، الطبعة الثانية، لسنة 1924  مصر.

[1] ابراهيم رمزي، كلمات نابليون، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، الطبعة الأولى لسنة 2014، مصر، ص12

[2] الدكتور أيمن أبو الروس، شخصيات لا ينساها التاريخ، نابليون بونابرت، مطابع العبور الحديثة، القاهرة، ص6

[3] الدكتور حسن زغير حزيم، ارتقاء نابليون للسلطة في فرنسا ( 1769 – 1799 )، مجلة كلية الآداب، العدد 98، ص 77

[4] مرجع سابق، الدكتور حسن زغير حزيم، ، ص 77

[5] يوسف البستاني، نابلوين الأول، أو النسر الأعظم، مطبعة الهلال، الطبعة الثانية، لسنة 1924، مصر، ص 148

موقع أطباقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *